post

سيدي محرز السلطان .. صاحب البرهان والبيان

ثقافة وفن الأربعاء 08 سبتمبر 2021

مرآة تونس – هزار الفرشيشي

كان سلطان العلم والقلم والكلِم، وكان "سلطان مدينة تونس" كما يطلق عليه أهلها. هو المصلح والعالم والعابد المتصوف الزاهد، وهو السياسي والقائد الشعبي ذو الرأي السّديد. كان بلينه ملاذا للمستضعفين، وبشدّته حصنا للبلاد وأهلها أمام المعتدين. 

ولد "سيدي محرز" (953-1022)، كما يسمّيه التونسيون، في ضاحية "أريانة" لعائلة عرف عنها الزهد والصلاح، كما عرف بطيب النّسب، إذ يتّصل نسبه بالخليفة أبي بكر الصّدّيق، وهو ابن خالة كل من شيخ المالكية في تونس، الفقيه محمد بن أبي زيد القيرواني، وأبرز أعلام الصوفية في صفاقس أبي إسحاق الجبنياني. حيث روى عنه أبو عبد الله الأندلسي، المكنّى بالوزير السّرّاج، أن "جده للأم كان من الصالحين، وحجّ فوجد بمكة رجلا في يده ثلاث تمرات أعطاه إياها مقابل ثلاثة آلاف دينار، وكان له ثلاث بنات فلما وصل تونس أعطاهن كل واحدة نواة وكن متزوجات، فولدت إحداهن عبد الله بن أبي زيد القيرواني والثانية أبا إسحاق الجبنيانى والثالثة الشيخ محرزا". 

حاز محرز بن خلف علوم الدين واللغة العربية، وتتلمذ على أيدي أبرز وأهمّ حملة العلم في عهده، وقد قال عنه القاضي الأشعري أبو بكر الباقلاني: "لو أدرك محرز بن خلف السلف لكان خامس الأربعة"، وقال عنه الفقيه أبو الحسن القابسي: "إن عمد الدين الذين يمسك الله بهم الأرض أربعة ومحرز بن خلف منهم". وبهذا يكون "سيدي محرز" قد جمع "الحسنيين" وهما النسب الشريف والعلم الديني والدنيوي والعمل به.

كما كان ابن خلف شاعرا مبدعا، وقد أنشد عن عاقبة الظلم: 
"إذا ظالم قد عاهد الظلم مذهبا
وجار غلوا في علو اكتسابه
فكله إلى ريب الزمان وجوره
سيبدى له مالم يكن في حسابه"

حامي الأقليات ومجير المومسات 

73 عاما عاشها محرز بن خلف عابدا زاهدا، قاضيا لحوائج الناس، وعرف عنه الرفق والعدل والتسامح. ويروى عن سلطان لمدينة أنه كان حاميا لبائعات الهوى ساعيا إلى إبعادهنّ عن ممارسة الرّذيلة، فكان كلما التقى إحداهنّ، اصطحبها إلى مقام زاويته وسمح لها بالإقامة فيه وخدمة المقام لتتخلّى بذلك عن ممارسة الدّعارة، وكان يزوّجهنّ من رجال من عامة الناس ويشترط عليهم عدم السؤال عن ماضيهنّ وعدم التطرق إلى الأمر بأيّ شكل من الأشكال مهما كانت الظروف. 

رواية ذكرها الأستاذ عبد الفتاح مورو في إحدى المقابلات التلفزية، أثارت ردود فعل متباينة، بين مشيد بعظمة محرز بن خلف وصلاح رأيه من جهة، وبين مشكّك في الرواية من جهة أخرى. ويستند المشكّكون في هذه القصة على عدم وجود أي أثر أو مرجع تاريخي يثبت المسألة، كما يرون أن مصطلح "الزاوية" لم يكن معروفا في عصر محرز بن خلف، لأن الزوايا لم تظهر في تاريخ العمارة الإسلامية إلا في حدود القرن الثالث عشر الميلادي، أي في زمن الدولة الحفصية التي عرفت تشييد العديد من الزوايا، حيث شكّلت مأوى لأبناء السبيل وكانت ملجأ للفقراء والمساكين، والزاوية التي تعرف اليوم بزاوية سيدي محرز لم تبن إلا في القرن الخامس عشر الميلادي. 

لكن رسوخ رواية "سيدي محرز" والمومسات في الذاكرة الجماعية لنسوة المدينة العتيقة اللاتي تناقلنها جيلا عبر جيل، يجعلنا نرجّح صحّتها، وأما فيما يتعلق بالزاوية، فعدم وجود "زاوية" بالمعنى المتعارف عليه بداية من القرن الثالث عشر لا ينفي وجود مقام لمحرز بن خلف يدرّس فيه القرآن والفقه واللغة العربية ويلتقي فيه الناس للقضاء بينهم ولتلبية حاجاتهم.

ويعرف عن سلطان لمدينة أنه كان عاملا بوصية الرسول عليه الصلاة والسلام بـ "أهل الذّمّة" من اليهود والمسيحيّين، حيث أسكنهم في "الحفصيّة" قريبا من مقامه، بعد أن كان لا يسمح لهم بالعيش إلا خارج أسوار المدينة، حيث كانوا يقطنون بمنطقة "الملّاسين". كما خصّص لهم وللفقراء سوقا يشترون منها حاجاتهم بأثمان زهيدة، مراعاة لضيق حالهم وقلّة ذات يدهم، وكان اسم السوق وقتها "سويقة محرز"، تصغيرا لكلمة "سوق"، وقد أعفاها المعز بن باديس الصنهاجي، رابع السلاطين الزيريّين في أفريقيّة (تونس حاليا)، من الضرائب لأجل خاطر الشيخ بن خلف. 

سلطان لمدينة وحاميها 

خلال حكم الدولة الفاطمية، خشي محرز بن خلف على المذهب السني فأرسل كتابا لابن خالته، ابن أبي زيد القيرواني، وطلب منه أن يكتب لأهل تونس رسالة يجمع لهم فيها أمر دينهم، فكانت رسالة ابن أبي زيد القيرواني في الفقه المالكي. فصدّر القيرواني رسالته بقوله: "فإنك سألتني أن أكتب لك جملة مختصرة من واجب أمور الديانة مما تنطقه الألسن وتعتقده القلوب وتعمله الجوارح، وما يتصل بالواجب من ذلك من السنن من مؤكدها ونوافلها ورغائبها وشيء من الآداب منها، وجمل من أصول الفقه وفنونه على مذهب الإمام مالك بن أنس وطريقته، مع ما سهل سبيل ما أشكل من ذلك من تفسير الراسخين وبيان المتفقهين...". 

وذكر الوزير السراج بأن سيدي محرز كان كثير التردد على شيخه وابن خالته ابن أبي زيد القيرواني في مدينة القيروان، يستشيره في أمور الدين ويبحث معه سبيل تحرير تونس من الشيعة. 

وقد استغل أهل تونس بقيادة محرز بن خلف انتقال مقر حكم الفاطميين من القيروان إلى مصر وتنصيبهم لحاكم نيابة عنهم في البلاد، فأعلن الشيخ محرز الحرب على الشيعة ومذهبهم ودعا إلى إخراجهم من تونس، وهو الذي أصر على تعليم الصبية القرآن الكريم وترتيله وعلومه إضافة لتلقينهم مذهب الإمام مالك مواجها بذلك المد الشيعي الذي قدم للبلاد مع الفاطميين، إلى درجة تخصيص الحاكم بن باديس الصنهاجي حماية للشيخ وأهله خوفا عليهم من أن يطالهم الأذى من الفاطميين.

وساند كل التونسيين الشيخ محرز في دعواته، خاصة أن الفاطميين قد منعوا تدريس المذهب المالكي السني وضيقوا على الشيوخ والعلماء وسعوا في نشر مذهبهم في البلاد. 

ويذكر أنّ لقب سلطان لمدينة قد جاء في عصر متأخر نسبيّا ويرجّح أنه العصر العثماني (أي اواخر القرن السادس عشر ومطلع القرن السابع عشر). فقد أراد به التونسيون أن يعربوا، في ظرف سياسي سادت فيه سلطات دخيلة كالباشاوات والدايات والجيش العثماني، عن اعتقادهم أنّ الحامي الأوّل لمدينة تونس سيدي محرز، أحد أبنائها وأوليائها بفضل كراماته. 

الهدى يا بن عروس ويحرز محرز يا تونس 

كلمات كثيرا ما تردّد على لسان التونسيين، وتختلف الروايات حول خلفياتها، فيروى أن الولي الصالح "سيدي بن عروس" كان ينقل الحجر ليبني به مدينة تونس، فالتقى يوما بمحرز بن خلف في مقبرة الجلاز بالعاصمة، وتخاصما إذ اتهمه سيدي محرز بسرقة الحجر ليبني به، ما أغضب سيدي بن عروس فردّ داعيا على تونس بالخراب، فتحرك الجبل من مكانه ليوقفه سيدي محرز مشيرا بيده قائلا: "الهدى يا بن عروس"، فقال الناس "يحرزلك محرز يا تونس"، أي أنه لولا تدخّل سيدي محرز وإنقاذه البلاد لهلكت. فيما يروي آخرون أن سيدي بن عروس قد غضب غضبا شديدا فدعا بإغراق تونس فأوقفه سيدي محرز بذات القول. أسطورة توارثتها الأجيال في تونس وطغت على المخيال الشعبي، لكن البعد الزمني الشّاسع لحياة الشّخصيّتين ينسف تماما هذه الرواية. 

في المقابل، هناك رواية أخرى مفادها أن محرز بن خلف قد أنقذ تونس من غزو خارجي وشرّ محقّق بدعائه وتهجّده فهلك العدوّ ونجت تونس وأهلها، فتوارث التونسيون بعد تلك الحادثة عبارة "يحرز محرز يا تونس". 

ورغم مرور ألف عام على رحيل محرز بن خلف، إلا أنه لا يزال حاضرا في ذهن التونسيين وفي مأثوراتهم، وسيرته لا تفارق أذكارهم وأورادهم، فتغنّى الشعراء والمنشدون بكراماته ومناقبه، وألّفت الكتب عن سيرته الطّيبة. 

أترك تعليقاً

من الممكن أن يعجبك أيضاً