post

صحيفة أمريكية: سياسيو تونس ارتكبوا أخطاء وأضاعوا فرصا والتجربة الديمقراطية في البلاد ماتت

صحافة الثلاثاء 23 أوت 2022

تناولت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية في تقرير أعدته فيفيان يي، الأخطاء التي ارتكبها مسؤولو تونس في فترة ما بعد ثورة 2011 التي أطاحت بنظام زين العابدين بن علي. وأشارت إلى الظروف التي هيأت الطريق أمام الرئيس قيس سعيد للاستيلاء على السلطة، ما يمثل انتهاء تجربة الديمقراطية في البلاد.

وذكرت الصحيفة أن التونسيين الذين سئموا من الفساد والقمع وغياب الفرص تدفقوا قبل حوالي 12 عاما إلى الشوارع وأطاحوا وهم يهتفون "خبز، حرية، كرامة" بديكتاتور، وتردد صدى الهتافات التونسية في كل أنحاء الشرق الأوسط وفتحت الباب أمام سلسلة من الإنتفاضات التي عرفت باسم الربيع العربي مما أحيى الآمال بازدهار الديمقراطية في تونس وما بعدها.

ولفتت الصحيفة إلى قرار الحكومة قبل ست سنوات، بإصدار عفو عن الفاسدين والمسؤولين السابقين الذين نهبوا البلاد قبل ثورة عام 2011، ما اعتبر صفعة بوجه الذين كافحوا من أجل التغيير ومن لم تتحقق العدالة لهم.

وقالت سيدة الونيسي، الوزيرة السابقة في واحدة من حكومات ما بعد الثورة والتي سجن صهرها وعذب في سجون زين العابدين بن علي: "شعرت، كيف سأنظر في عين حماتي.. وأنت في الحقيقة تعفو عن الناس بدون محاكمة وضحاياهم لا يزالون هنا".

ولشعورهم بالإحباط من السياسيين والأحزاب، قرر التونسيون اختيار شخصية غير مجربة ومن خارج المشهد السياسي، على أمل تحقيق ما فشل فيه الساسة المجربون، وبعد عامين على انتخابه، أقدم  قيس سعيد العام الماضي على تنحية كل الأحزاب والمؤسسات الرقابية على العمل الديمقراطي لينشئ حكم الرجل الواحد، وفقا للصحيفة. والشهر الماضي عزز حكمه بالإستفتاء على الدستور الذي منحه سلطات واسعة.

وبعد عقد على نهاية الحكم الديكتاتوري، ظلت تونس التجربة الوحيدة الناجية من ثورات الربيع العربي لكن ديمقراطيتها باتت اليوم ميتة، بحسب نيويورك تايمز.

ورغم السرعة التي محا فيها سعيد المنجزات الديمقراطية إلا أن مقابلات مع المشاركين المخضرمين في عملية بناء الديمقراطية في تونس يرون أن عملية التراجع في البلد بدأت بسلسلة من الخطوات غير الموفقة التي أفقدت التونسيين الثقة بالنظام.

وحسب الصحيفة، فشل القادة المنتخبون ديمقراطيا بتصحيح أخطاء النظام السابق كما تجاهلوا بناء الاقتصاد وتركوا تونس تعاني من الفساد ومعدلات عالية من البطالة وفجوة متزايدة بين الفقراء والأغنياء وديونا بعد عقد على الثورة.

وأشارت نيويورك تايمز إلى أن البلاد شهدت 10 رؤساء وزراء بمعدل واحد كل سنة كما توسعت خطوط الصراع الديني- العلماني.

وقال وزير الصحة السابق، عبد اللطيف المكي: "لا يزال معظم الرأي العام التونسي يدعم الثورة، لكنهم يغيرون مواقفهم من حزب سياسي إلى آخر أو لأشخاص مثل سعيد، ويبحثون عن شخص يمكنه تحقيق أهداف الثورة".

وعندما هرب بن علي من البلاد في جانفي 2011، سادت الحماسة، رغم تحذيرات الاقتصاديين من الوضع المالي للبلاد وضرورة الإنتباه إليه.

وفي الوقت الذي طالب فيه المتظاهرون والمحتجون بضرورة حل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية ومشكلة البطالة التي يعاني منها الشباب الذين يمثلون نسبة الثلث من السكان، إلا أن القادة ركزوا على ضبط النظام السياسي وأهملوا القضايا الملحة.

وعندما رفض التونسيون النظام القمعي الذي تسيد النظام السياسي على مدى العقود الستة، انتخبوا في عام 2011، مجلسا تشريعيا انتقاليا هيمن عليه حزب النهضة الإسلامي المعتدل الذي تعرض للقمع والشيطنة من الأنظمة السابقة.

وكانت مناطق دعم الحزب التقليدية هي الأحياء والأرياف المحافظة والفقيرة، وهي التي غذت الثورة، وبدا حزب النهضة وكأنه يدافع عن الثورة نفسها. وعندما بدأت البلاد بكتابة دستورها بعد عامين، اشتعل النقاش حول دور الإسلام بين العلمانيين والإسلاميين، وفقا للصحيفة. وحينها، قال نقاد النهضة إن المرأة في ظل حكمها لن تحصل على حقوقها وسيمنع شرب الكحول.

وقالت مونيكا ماركس من جامعة نيويورك- فرع أبو ظبي إنه لو لم يظهر الحقد تجاه النهضة "لكان هناك انتباه أكبر وأسرع" إلى عملية الإصلاح السياسي والاقتصادي. وبدلا من الاهتمام بهذه الأولويات، تم وضعها على الرف لصالح الحديث عن النهضة، رغم اعتدالها وأنها قد تقيم دولة دينية بدلا من نظام ليبرالي. وإزاء هذا لم ينتبه قادة تونس فيما بعد الثورة بأنهم كانوا بحاجة لخطة اقتصادية.

وكانت خططهم لحل البطالة والميزانيات المتضخمة للبيوت متعجلة إن لم تكن ضيقة النظر، عبر زيادة الموظفين في القطاع المدني وزيادة رواتب موظفي الحكومة والاقتراض من الخارج لدفع كل هذه الواجبات المالية. وثبت أنه خطأ لأنه زاد من التضخم وفاقم من الدين الخارجي، حيث تحولت البلاد إلى أكبر شركة توظيف تنفق نصف ميزانيتها على رواتب الموظفين.

وقال الاقتصادي التونسي عز الدين سعيدان: "حدث سباق بين الأحزاب لشراء الدعم والأصوات، وعندما باتت الحاجة ملحة لقطع فاتورة الرواتب لم يكن لدى الساسة الشجاعة للتخلص من آلاف الأشخاص مرة واحدة".

وفي مرحلة ما بعد الثورة عانت البلاد من مشاكل ملحة، فقد تدفق آلاف التونسيين إلى تنظيم الدولة الذي سيطر على أجزاء من سوريا والعراق واغتيل سياسيان علمانيان.

وحسب نيويورك تايمز، تبنت النهضة التي رفضت ذكر الشريعة الإسلامية في الدستور نهجا معتدلا يتجنب العنف، إلا أن مخاوف التونسيين من الإسلام الراديكالي إلى جانب عقد طويل من شيطنة النظام القديم للنهضة أثار الشكوك حول الحزب.

وفي أوت 2013، دعا عشرات الآلاف للإطاحة بالنهضة، حيث كان تهديد العنف واضحا، لكن تم حل الأزمة عندما التقى زعيم النهضة الشيخ راشد الغنوشي وزعيم نداء تونس الباجي قايد السبسي في باريس.

وبعد مشاركتها في الحوار الوطني تخلت النهضة عن السلطة وفتحت الباب أمام كتابة مسودة الدستور الذي تم تبنيه في جانفي 2014. وأثنى قادة العالم على النموذج التونسي والقائدين التونسيين كرجلي دولة حقيقيين، ومنحت لجنة نوبل جائزة السلام للرباعية التي أسهمت في الحوار عام 2015.

وفي ديسمبر فاز نداء تونس بالإنتخابات بعد حملة معادية للنهضة وأصبح السبسي الرئيس، لكن النظام الإنتخابي الذي قصد منه منع النهضة من الحصول على الغالبية حد من قدرة الحزب على بناء الغالبية ولهذا قرر التحالف مع النهضة باسم تحقيق الاستقرار، وهو ما تسبب بغضب نوابه واستقالة 32 منهم.

وقال رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي في تصريحات للصحيفة: "كانت تونس تسير نحو الهاوية، مثل بقية المنطقة والإجماع أنقذ تونس لمدة خمسة أعوام". إلا أن التحالف المهتز تسيد السياسة في تونس خلال السنوات الخمس هذه، بحيث لم يكن لدى أي طرف الاستعداد لتقديم تنازلات غير شعبية وتغيرات سياسية تهدد الإجماع، وفق الصحيفة.

وقال منذر بلحاج المؤسس المشارك لنداء تونس والذي استقال في حينه: "ما يحدث الآن هو نتاج ذلك وبسبب الإئتلاف لم يعد التونسيون يؤمنون بالإنتخابات ولم نستطع إحداث الإصلاحات الضرورية". ولم يتفق الإئتلاف على أعضاء المحكمة الدستورية التي كانت كفيلة بمنع سعيد من الاستيلاء على السلطة العام الماضي.

كما زادت المصاعب الاقتصادية، حيث اقترح رؤساء الوزراء المتعاقبون الذين حاولوا الحصول على قرض من صندوق النقد الدولي سياسات مثل قطع ميزانية الرواتب وتخفيف الدعم وبيع أو إصلاح الشركات التي تملكها الدولة بدون نجاح.

وقال شران غريوال، من معهد بروكينغز إن التونسيين حملوا الساسة والنظام مسؤولية الأوضاع الاقتصادية الفقيرة. ولعل أكثر التطورات المخيبة كان التشريع الوحيد الذي اقترحه السبسي للعفو عن أركان النظام السابق. وكشف أمين غالي من معهد الكواكبي في تونس: "عن عدم اهتمام السبسي بالإصلاح الاقتصادي الديمقراطي".

وبعد وفاة السبسي بات الناخب التونسي محبطا من الأحزاب السياسية ولهذا اختار أستاذ القانون الدستوري السابق سعيد. وفي إنتخابات البرلمان جاء حزب النهضة في المرتبة الأولى لكن البرلمان غرق في الخلافات الداخلية وقاد إلى صعود اليمين المتطرف واليسار المتطرف بشكل أدى لعجز البرلمان. وشعر التونسيون بالاستياء من النواب الذين وجهوا لهم الشتائم عبر فايسبوك والشوارع.

وتزامنا مع ذلك، ساء الوضع الاقتصادي حيث فقد المستهلك التونسي نسبة 40% من قدرته الشرائية، أما العملة فقد انخفضت قيمتها بنسبة 60% في الفترة ما بين 2020 و2022.

كما زاد الدين العام بنسبة خمسة أضعاف عما كان عليه في عام 2010، فيما لم تعد الحكومة قادرة على دفع الرواتب أو شراء الحبوب علاوة على الاستثمار بالبنى التحتية. ووسط هذا قام سعيد بخطواته مستغلا أزمة كورونا، بحسب الصحيفة الأمريكية.

وقال أول رئيس تونسي بمرحلة ما بعد الثورة منصف المرزوقي: "يستخدم سعيد الكراهية، التي يكنها جزء كبير من السكان للطبقة السياسية وبخاصة النهضة ليقول: أنا المخلص وأما بالنسبة إلى المواطنين العاديين فقد فقدوا الثقة في كل شيء".

أترك تعليقاً

من الممكن أن يعجبك أيضاً