post

مهدي مبروك يكتب: هل كنّا في تونس ديمقراطيين بما يكفي؟

تونس الإثنين 19 سبتمبر 2022

كتب الوزير السابق والأستاذ الجامعي ورئيس المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بتونس مهدي مبروك مقالا نشر في صحيفة "العربي الجديد" جاء فيه ما يلي:

تنشط في تونس منذ أسابيع نوادٍ واجتماعات وندوات تتساءل عمّا حدث منذ سنة، ولماذا يجري ما يجري في مناخ من الاستسلام والتسليم، كأنه قدرٌ حلّ بالتونسيين ولا ردّ له.

في أغلب الأحيان، لا يتفق الحاضرون، وهم منتمون إلى مشارب فكرية وسياسية مختلفة، على تفسير ما حدث، بل حتى توصيفه. على خلاف ذلك، يتسابقون عادةً في تحميل المسؤولية لطرف سياسي بعينه، حركة النهضة ومن حالفها، ويطالبونها بمراجعاتٍ وتقديم الاعتذارات العلنية، وطلب الغفران من الشعب. بل يضيف بعضهم قائمة طويلة من المطالب، على غرار عدم الترشّح للانتخابات المقبلة، إبعاد زعيم الحركة، راشد الغنوشي وقيادات أخرى فيها، عن دفة تسيير الحركة، تغيير اسمها وأسماء هياكلها، على غرار مجلس الشورى الحالي، بتعلة "أننا نبني ديمقراطية وليس شورى"، إلخ.

ومع ذلك، فإن طيفاً مهماً من السياسيين والمثقفين يرفضون الحضور أصلاً، كلما دعوا إلى مثل هذه اللقاءات، إذا علموا أن أحداً من المدعوين ينتمي إلى "النهضة"، أو "شارك" في إدارة العشرية الماضية من أي موقع من مواقع المسؤولية. بعضهم خوفاً من ردود أفعال الرئيس قيس سعيّد ذاته إذا علم بذلك، وبعض آخر متمسّك بضرورة المحاسبة، ولا شيء غيرها،  والمقصود بها وضع قيادتها في السجن وعزلها عن الحياة السياسية، جملة وتفصيلاً. والأكيد أن لحركة النهضة مسؤولية سياسية في ما حدث، لكن القضاء المستقل هو الوحيد المخوَّل بالفصل في ما يُنسب إليها حالياً.

تعبّر أحاديث التونسيين ومواقفهم اليومية عن جبال الحقد والكراهية التي تستوطن دواخلهم العميقة. إذا فشلت الثورة، فإنها فشلت في تربية الناس على الديمقراطية واحترام الآخر والتسامح. يبدو أننا، نحن التونسيين، استعجلنا البناء الديمقراطي، وبالغنا في دسترة كل شيء، من الحق في الماء إلى الهواء إلى الحق في العشب والغابات، ولكننا نسينا، أو تغافلنا على الأصح، عن أهمية زرع قيم ليست بالضرورة منتميةً إلى الديمقراطية، ولكنها منتمية إلى العيش المشترك، على غرار الاحترام المتبادل، القبول بالمختلف، الإيمان بالتعدّدية، الانتماء إلى جماعة وطنية واحدة، ولكنها ثريّة بتعدّدها واختلافها، إلخ.

في سياق اقتصادي واجتماعي غير مسبوق، ارتفعت فيه الأسعار، واختفت فيه مواد غذائية أشهراً، السكر والقهوة والماء  المعلب، إلخ، تقول ممثلة تقدّمية: "قد يختفي السكر وقد يختفي الماء، حتى ولو سقطت على رؤوسنا السماء، لما ندمنا على مساندتنا سعيّد". وتعبّر هذه الممثلة عن قناعات طيف واسع من الناس، هم مستعدّون لأن يتنازلوا عن حريتهم مقابل القضاء على حركة النهضة. قد نتفهم لو تنازل الناس عن حرّيتهم مقابل رخاء مادّي واقتصادي، وقد يحدث هذا في أماكن عديدة طوراً، تحت خدر الريع، وطوراً آخر تحت خدر الإيديولوجيا والتنويم الإيديولوجي الذي تلعبه الدعائية (البروباغندا).

كيف تشكّلت هذه الصور، وبهذا الشكل المخيف؟ فعلاً سؤال ما زال يربكنا جميعاً. لا شك أن "النهضة" قد تغافلت عن حساسية الرأي العام الخارج لتوه من تجربة بن علي: بعض من تعيينات على قاعدة المحاباة العائلية، بعض المحسوبية، زبونية ما تشكلت داخلها على قاعدة الولاء، إلخ. وهذه انحرافات عادية في الحياة السياسية للشعوب. وربما لم تقدّم الحركة نماذج روحية وأخلاقية زاهدة، قد يكون هذا حدث. ولذلك ظلت صورة الرئيس قيس سعيّد تفوق صور الغنوشي في نظافتها وزهدها، وقد لا تكون هذه المقارنة دقيقة، ولكنها تصبّ في مصلحة سعيّد.

هذا التركيز المرضي على اختزال الأشياء والهرولة نحو تحميل المسؤولية لطرفٍ واحد، حتى ولو كان بن علي ذاته، لا يمكن إلا أن يبرهن عن كسل عميق، يشلّ قدرة النخب على تفسير ما حدث. السؤال الذي يربك الجميع وتميد الأرض تحت أقدامنا حين نسأله، ولا نجد له جواباً مقنعاً: كيف تسلّل سعيّد إلى تجربتنا وطواها بكل هذه السرعة؟

هل يكفي أن تكون حركة النهضة بما ارتكبته من أخطاء (حقيقة أو افتراضاً) سبباً في هذه الردّة الديمقراطية الخطيرة؟ في تجارب شبيهة، كانت الشعوب تداوي انحرافات من أخطأوا باختيار آخرين أكثر كفاءة ونزاهة ممن سبقوهم. تحفظ لنا الديمقراطية إمكانات هائلة لمعاقبة الحكام، فلمَ هرعنا إلى هدم المعبد على من فيه؟ ثمّة خللٌ عميق في تنشئتنا على الديمقراطية.

انهمكنا خلال العشرية الماضية في بناءٍ مؤسّساتي لهذه الديمقراطية الهشّة والعليلة أصلاً، وتغافلنا عن قيم الناس وقناعاتهم التي ظلت بعيدة، تقطن أراضي ظلت تحنّ إلى الاستبداد. لم تُغيَّر مناهج الدراسة أو التربية من أجل احتضان هذا الوافد الجديد علينا. لذلك، نبتت الديمقراطية في أرض غير صالحة لها. لا يمكن أن نتذرع بالإخفاقات الاقتصادية التي رافقت التجربة، والدليل أن طيفاً واسعاً من الناس، حالياً، مستعدّون لمزيد التضحية من أجل إبادة خصم سياسي ما.

 

أترك تعليقاً

من الممكن أن يعجبك أيضاً