post

بعد رفض اتحاد الشغل المشاركة في "حوار سعيّد".. هل يتمكّن الرئيس من إعادة ترتيب الأوراق من جديد؟

تونس الأربعاء 25 ماي 2022

تمسك الاتحاد العام التونسي للشغل بموقفه الرافض للحوار الذي دعا إليه الرئيس قيس سعيد، حيث عزت الهيئة الإدارية للمنظمة قرارها لرفضها القطعي للمشاركة في أي حوار "صوري شكلي" يقصي الأحزاب السياسية.

واعتبر متابعون للشأن العام أن موقف اتحاد الشغل بعثر كل أوراق رئيس الجمهورية، وفسح المجال أمام إعادة النظر في الوضع السياسي الراهن وطريقة الخروج من الأزمة، وساهم في فرملة قطار سعيد السريع الذي لا يلتفت إلى أحد، ويسير بسرعة جنونية في اتجاه فرض أجندته على الجميع.

وكان الاتحاد أكد، يوم الإثنين، "رفض أيّ حوار شكلي متأخّر متعجّل تُحدَّد فيه الأدوار من جانب واحد وتُفرض فرضا ويقصي القوى المدنية والسياسية الوطنية، فضلا على أنّه حوار استشاري لا يمكن أن يفضي إلى اتفاقات جدّية، وتراد منه تزكية نتائج معدّة سلفا يتمّ إسقاطها بشكل فردي وفرضها على طريقة المرور بقوّة وفرض الأمر الواقع".

وقرار الاتحاد برفض المشاركة في حوار نتائجه جاهزة مسبقا اعتبره عدد كبير من السياسيين والمحللين خطوة "وطنية" على غاية من الأهمية من منظمة نقابية عريقة، فيما اعتبرها آخرون ضربة قاسمة للرئيس سعيد ومساره، غير أن البعض وصفها بـ"المناورة" لأجل تحسين شروط التفاوض. فهل ساهم موقف اتحاد الشغل برفض الحوار في إعادة ترتيب الأوراق من جديد؟

دور وطني

وقال رئيس المكتب السياسي لحركة النهضة نور الدين العرباوي في تصريح صحفي إن "للاتحاد دورا وطنيا وكان لا بد من القيام به". وأضاف: "هو قرار في اتجاه المصلحة الوطنية لإيقاف مسار تفكيك الدولة ووضع حد للاستهانة بالمكاسب الديمقراطية وضربها".

وعن أهمية قرار الاتحاد بالنسبة للمعارضة لإجراءات سعيد أوضح العرباوي أنه "التقاء موضوعي.. الاتحاد له موقف فيه تفاصيل أخرى، فهو لا يرفض كامل مسار 25 جويلية، لكن رفضه الحوار هو التقاء مع المصلحة الوطنية".

قرار منتظر

من جانبه، اعتبر الأمين العام لحزب التيار الديمقراطي غازي الشواشي في تصريح صحفي، أن قرار الاتحاد كان منتظرا ويتماهى مع مواقفه السابقة فهو دائما كان يطالب بحوار تشاركي لا يقصي الأحزاب السياسية والقوى المدنية.

وأكد الشواشي أن "اتحاد الشغل منظمة وطنية لا يمكن أبدا أن تكون ضد إرادة الشعب ومع نظام يريد تكريس دكتاتورية ونظام الحكم الواحد". كما طالب الشواشي بأن يتطور موقف الاتحاد ويلعب دوره التاريخي في مبادرة وطنية لتجميع كل القوى لإعداد خارطة طريق للإنقاذ بالنظر لأن الدولة مهددة بانفجار اجتماعي وحالة إفلاس، على حد تعبيره.

وحول تداعيات موقف الاتحاد، رأى أمين عام حزب التيار الديمقراطي أن "الاستفتاء المقرر في جويلية القادم فشل بنسبة 80 بالمائة، لم يعد هناك من يساند الرئيس باستثناء قلة قليلة لها طموحات سياسية".

عزلة الرئيس

ومن جهته، قال الأمين العام للحزب الجمهوري، عصام الشابي، في تصريح صحفي، إن "قرار الاتحاد يتماشى والمصلحة العليا للبلاد، الاتحاد هو أول من دعا لحوار وطني شامل ولكن الرئيس رفض، القرار يؤكد حقيقة يتجاهلها الرئيس وأنصاره وهي أن انقلاب 25 جويلية وصل إلى نهايته".

كما ثمن الشابي قرار اتحاد الشغل واعتبر أنه سيزيد من عزلة الرئيس سعيد الداخلية والخارجية، وأضاف: "سنزيد من تواصلنا مع الاتحاد لأجل فرض البديل عبر اتفاق مشترك من كل القوى والاتفاق على حكومة إنقاذ وطني". وأكد الشابي أن "الرئيس لن يتراجع إلا بضغط قوي واحتجاجات واسعة".

سعيد وشروط الاتحاد

وأكد المحلل السياسي قاسم الغربي، في تصريح صحفي، أن سعيد يتجه نحو سياسة الهروب للأمام، "لأنه لو كنا نتعامل مع عقل سياسي عادي ما كنا لنصل إلى هذا الوضع أصلا".

وقال: "نتعامل مع عقل سياسي خاص، وهذا العقل سيتجه نحو التعنت"، وأضاف أنه "بطريقة ما دفع سعيد الاتحاد لهذا الموقف، وقد يكون الاتحاد مستهدفا، ولا نستبعد أن يتكرر مع اتحاد الشغل ما وقع لاتحاد الفلاحين (محاولة إقصاء رئيسه عبد المجيد الزار وتعيين داعمين لسعيد)، وربما يفكر الرئيس في العزل الشعبي للاتحاد، ولكن هذا صعب جدا مع الاتحاد، وبالإضافة إلى قواعده سيجد حاضنة شعبية وسياسية من الرافضين لتوجهات سعيد".

وأوضح المحلل السياسي أن الاتحاد يملك أوراقا كثيرة، من أهمها ورقة الإضراب، وقد لوح بذلك الاثنين، وهذا لا يحمل فقط رسالة إلى الداخل التونسي، وإنما بالخصوص إلى رئيسة الحكومة الموجودة في دافوس نجلاء بودن وسعيد بأن المفاوضات مع صندوق النقد الدولي قد سقطت في الماء، لأنه كان يشترط موافقة الاتحاد على مشروع الإصلاحات لمنح القروض التي تعول عليها حكومة سعيد لتتنفس قليلا.

من جهته، بيّن الخبير الاقتصادي آرام بالحاج أن "كل السبل اُغلقت أمام التوصل لاتفاق مع صندوق النقد الدولي هذه السنة"، واعتبر، في تدوينة على صفحته في "فسيبوك"، أن "السبيل الوحيد المتبقي هو التزام علني من رئيس الجمهورية قيس سعيّد بالمرور بقوة، وتطبيق كل التعهدات الواردة في برنامج إصلاح الحكومة".

مرحلة ما بعد سعيّد

واعتبر عضو الهيئة التنفيذية لـ"مواطنون ضد الانقلاب"، الباحث الجامعي زهير إسماعيل، أن "هذا الموقف كان منتظرا استنادا إلى أداء سعيّد وما أفصح عنه من علاقته بالحوار، فرفض الحوار من قبل سعيّد لا يُعزى إلى تقدير سياسي عنده بقدر ما هو صورة عن مكونات شخصية ونفسية لا يوجد فيها شيء اسمه حوار".

وأكد إسماعيل على أنّ "الرافض الحقيقي للحوار هو سعيّد، ولقد حاول الاتحاد قبل الانقلاب وبعده مدّ الجسور مع سعيّد بتبَنِّي 25 جويلية، وتقديم تصور للحوار يخالف في مستويات منه رؤية سعيّد في الانتظام القاعدي، وما يستدعيه من نفي لكل الوسائط من أحزاب ومنظمات وهيئات".

وأشار إسماعيل إلى أن "موقف الاتحاد ظلّ محكوما بالتردّد، فلا هو قبل بعرض سعيّد جملةً، ولا عبّر عن نيته الالتحاق بالموقف الوطني المناهض للانقلاب، بل سارع إلى موقف رافض لجبهة الخلاص الوطني وناقد لرئيسها أحمد نجيب الشابي".

وشدد إسماعيل على أنه "لا توجد إعادة ترتيب للأوراق؛ ما يوجد هو تأكّد عزلة قيس سعيّد، وبداية ظهور جبهة موازية لجبهة الخلاص، الوجه السياسي للشارع الديمقراطي. وهي جبهة نواتها الاتحاد، ومن لم يجدوا موقعا عند سعيّد، وسائر الأحزاب الوظيفيّة التي ترى في مناهضة سعيّد خدمة لحركة النهضة، لا دفاعا عن شروط الديمقراطية ومحاولة لاستعادة مسارها".

واعتبر إسماعيل أنه "في نهاية الأمر يمثّل موقف اتحاد الشغل مؤشرا جديدا يضاف إلى مؤشرات سابقة تسمح بالحديث عن الدخول في مرحلة ما بعد سعيّد". وتساءل: "لماذا مرحلة ما بعد سعيّد وليس مرحلة ما بعد الانقلاب؟ السبب هو أنّ إزاحة سعيّد لا تعني بالضرورة سقوط الانقلاب".

خطوات فعلية

وفي المقابل، قال عضو المكتب السياسي لحركة الشعب أسامة عويدات في تصريح صحفي: "نحن ما زالنا نساند الرئيس وإجراءاته رغم البطء في الإصلاحات والمحاسبة، الاتحاد ضروري أن يكون في حوار وطني، الكل يتفهم قراره لأنه يرفض أن يكون في حوار صوري".

وحذّر عويدات من "تفتت وانقسام داعمي مسار 25 جويلية، وطالب الجميع بالتنازل لأجل الحفاظ على اللحظة التاريخية بما فيهم الرئيس سعيد، المرحلة دقيقة تتطلب الصبر". كما طالب الرئيس بإجراء خطوات فعلية واعتبر أن "مسار 25 جويلية يقبع في منطقة زوابع ورمال متحركة وهو ما يستوجب من الرئيس التحرك".

Leave a Comment

You might also like!